في الاتحاد الاوروبي, الأسوأ يصل إلى القمّة

This article has been translated into Arabic by Mohamed El-Amine Meziane. The English original was an op-ed of mine published by the Washington Examiner.

كمواطن من اللوكسمبورغ ،و الذي لم يعرف خلال الثماني عشرة سنة الأخيرة من حياته سوى جون كلود يونكر كوزير  أول لبلاده الذي يشغل حاليا منصب رئيس المفوضية الأوربية ،يمكنني أن أقول أن الخطاب الحازم و الصارم الذي عرف به  هذا الشخص تجاه خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوربي لا يعكس تلك الحدة  التي وصفتها  لنا وسائل الاعلام.

جون كلود يونكر رئيس المفوضة الأوربية  يعتبر تجسيدا حيا لتردي مستوى التمثيل في الحياة السياسية في أوربا في أيامنا هذه،فبعد تخرجه من الجامعة بشهادة في الحقوق لم يمارس أية مهنة أو وظيفة بل التحق مباشرة بالحياة السياسية ،بحزب يمين الوسط( والذي ينتمي الى نفس العائلة السياسية لحزب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل)،ليعمل خلال هذه الفترة كمساعد لجاك سانتر الذي شغل آنذاك منصب الوزير الأول للوكسمبورغ و كذلك منصب رئيس المفوضية الأوربية ،و هكذا قضى يونكر مدة 30 سنة داخل حكومة بلاده تقلد خلالها عدة مناصب وزارية الى أن شغل منصب  رئاسة الوزراء لفترة تمتد من 2005 الى 2013.

رغم تفرغه لرئاسة المفوضية الأوربية حاليا  إلا أن جون كلود يونكر لا يزال يحتفظ بشعبية في لوكسمبورغ. ففي سنة 2005  أي تاريخ إجراء الاستفتاء حول الدستور الأوربي الموحد صوت مواطنو اللوكسمبورغ  بنعم لهذا الدستور بنسبة 56 % و هذا راجع بنسبة كبيرة إلى الشعور بالخوف الذي ولده لديهم جون كلود يونكر عندما ربط مصير و مستقبل بلاده بمصيره السياسي أي بنجاح الاستفتاء. إن هذه الخطوة لم تكن لتنجح لو طرحت من طرف سياسي بريطاني مثلا و هذا راجع للأعراف و التقاليد السياسية لهذا البلد، لكنها كانت كافية لتحقيق النتيجة المبتغاة في لوكسمبورغ .

استقال جون كلود يونكرمن رئاسة الوزراء سنة 2013 على خلفية فضيحة مراقبة و تنصت ،حيث أثار تقرير من 140صفحة عن أخطائه و سوء إدارته لمهامه ،حيث أثيرت حوله شبهات عن تجاهله لتصرفات غير قانونية قامت بها أجهزة الأمن  المخابرات و التي كانت تحت أمره مباشرة.

Attribution - Non Commericial - No Derivs Creative Commons © European Union 2014 - European Parliament ---------------------------------------- Pietro Naj-Oleari: European Parliament, Information General Directoratem, Web Communication Unit, Picture Editor. Phone: +32479721559/+32.2.28 40 633 E-mail: pietro.naj-oleari@europarl.europa.eu

لم يجد يونكر من وسيلة للرد على هذه الاتهامات سوى التذكير بمناقبه و بمساره السياسي الحافل ،إلى درجة أنه يخيل الى من يستمع إليه أن اللوكسمبورغ لم يكن له وجود لولا هذا الشخص ! ،و ضاعف كذلك خلال هذه الفترة من تنقلاته الى ” أصدقائه ”  في الخارج ليبرزو يظهر الاحترام الذي يحظى به خاصة داخل المجلس الأوربي.

إضافة الى كل ذلك  تخلى عنه الاشتراكيون حلفاؤه في الحكم ،و كانت هذه فترة عصيبة  في المسار السياسي لجون كلود يونكر.

هناك فكرة سائدة خاصة عند من يعرف بالأورو-متشائمين أن كل من يخسر الانتخابات في بلاده يريد أن يعوض ذلك بانضمامه للمفوضية الأوربية ،لكن هذه الرؤية  لا تنطبق بشكل كلي على جون كلود يونكر .فبالرغم من فضيحة التنصت  إلا أن حزب يمين الوسط الذي ينتمي اليه يونكر تحصل على ثلث الأصوات في الانتخابات البرلمانية ،لكن الأحزاب الثلاث المعارضة الأخرى شكلت ائتلافا حاكما استبعدت من خلاله حزب يونكر ،و كانت هذه أول مرة منذ آخر السبعينات التي يغيب فيها هذا الحزب عن الحكومة.

اتخذ جون كلود يونكر بصفته رئيسا للمفوضية الأوربية موقفا معارضا ومتشددا تجاه خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوربي،لكن هذا الموقف و كل تلك السيناريوهات الكارثية التي أذيعت لم تؤثر على تصويت البريطانيين و ذاك مرده الى ضآلة تأثير يونكر خارج حدود بلاده خاصة و أن أغلب المصوتين بالكاد يعرفون من هو هذا الشخص.

إن المثالية السياسية التي يتصرف من خلالها جون كلود يونكر ستصطدم  عاجلا أم آجلا بالواقع  خاصة و نحن مقبلون على مفاوضات شاقة وصعبة لإتمام  إجراءات خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوربي. فلو أراد الألمان مثلا الاستمرار في بيع سياراتهم الألمانية في بريطانيا فيجب عليهم أن يفاوضوا القوة الاقتصادية الخامسة في العالم  و لن يجدوا أنفسهم  أمام بلد مقيد بشروط الإتحاد الاوربي الخاصة بحرية نقل البضائع،فالأجدر بيونكر أو غيره أن يتحلوا بالواقعية السياسية لحل المشاكل بطريقة سلسة.

إن جون كلود يونكر و الذي يتصف بالحكمة السياسية الحذرة يرى نفسه مخلدا الى جانب كبار الشخصيات التي صنعت الاتحاد الأوربي كروبرت شومان و جان مونييه ،إنه ليزال يرغب في اتحاد أوربي بنموذجه الأول متبعا نفس الأسلوب و الخطاب الذي اتبعه خلال مسيرته السياسية في لوكسمبورغ  لكن الواقع سيثبت له أنه مخطئ.

علينا الاعتراف أخيرا أن الأزمة التي يعيشها الاتحاد الأوربي ليست أزمة رجال ،فها هو جون كلود يونكر يقدم استقالته من المفوضية . إن المشكلة الأساسية تكمن في مركزية السلطة و القرار داخل الاتحاد الأوربي خاصة و أن هذه السلطة تغري و تجذب اليها الغير شرفاء و تفسد من كان شريفا إن وجد.

و لن نجد عبارات أبلغ من تلك التي قالها الفيلسوف النمساوي  فريديريش هايك في كتابه  الطريق الى الرق “أن النجاح يحالف عديمي الضمير و عديمي الكفاءة”.

إذن فالعلة ليست جون كلود يونكر أو غيره ،إنما هؤلاء الأشخاص و غيرهم  يعانون من أعراض مرض اسمه السلطة.


Pictures are Creative Commons.

Thanks for liking and sharing!

About Bill Wirtz

My name is Bill, I'm from Luxembourg and I write about the virtues of a free society. I favour individual and economic freedom and I believe in the capabilities people can develop when they have to take their own responsibilities.

1 Response

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s